الكل يتحدث عن “التسويق بالمحتوى” وكأنه يحتاج فريقًا من عشرين شخصًا. مدير محتوى، وثلاثة كتّاب، ومونتير فيديو، ومدير حسابات تواصل اجتماعي، ومتخصص SEO، ومصمم جرافيك، ومدير مشاريع، وشخص لا أحد يعرف ماذا يفعل بالضبط.
الحقيقة؟ لا تحتاج كل هذا. تحتاج ثلاثة أشخاص، وأدوار واضحة، وقاعدة واحدة لا تقبل النقاش.
التحوّل الذهني الذي يغيّر كل شيء
قبل أن نتحدث عن الأدوار وسير العمل، لنتحدث عن العقلية. لأن العقلية الخطأ ستُغرق عملية انتاج المحتوى أسرع مما يفعله فريق صغير.
الذكاء الاصطناعي نقطة بداية جيدة. لكنه لن يقدم لك أبداً المنتج النهائي.
أعلم أن هذا يبدو بديهياً، لكن من السهل نسيانه في الممارسة. الذكاء الاصطناعي مراوغ — يجعلك تصدّق أنه يعرف ما يتحدث عنه. لكنه لا يعرف. أنت، الإنسان، تعرف ما تتحدث عنه. سيعطيك الذكاء الاصطناعي ست مقالات دقيقة مئة بالمئة ليدسّ في السابعة هلوسة قد تدمر مصداقيتك وسمعتك.
هذا ليس خطراً نظرياً. إنه يحدث أكثر مما تتخيل. الحل بسيط وهو في هذه المرحلة من تطور الذكاء الإصطناعي غير قابل للتفاوض: راجع ثم راجع كإنسان. ضع حواجز الحماية من اليوم الأول، لا بعد أن يفلت شيء من بين يديك.
أربعة أدوار (وليس ثلاثة)
كل عملية محتوى، مهما كان حجمها، تحتاج أربع وظائف:
١. الاستراتيجي — يقرر ماذا تنشئ ولماذا. بمساعدة الذكاء الاصطناعي أو بدونه، يربط المحتوى بأهداف العمل، ويحدد المواضيع المهمة، ويقول “لا” لكل شيء آخر. بدون استراتيجي، تنشر كثيرًا لكنك لا تحقق شيئًا.
٢. الكاتب — يصنع المحتوى. بمساعدة الذكاء الاصطناعي أو بدونه، يحتاج شخص لصياغة الرسالة. الذكاء الاصطناعي يساعد في البنية والبحث والمسودات الأولى. الكاتب يضيف الصوت والفروق الدقيقة والقدرة على اكتشاف أخطاء الآلة.
٣. المنفّذ — يحوّل المسودات إلى محتوى جاهز للنشر. هنا يتألق الذكاء الاصطناعي. التنسيق والجدولة وإنشاء الصور والبيانات الوصفية — العمل الميكانيكي لنقل المحتوى من “مسودة مكتوبة” إلى “منشور جاهز للنشر”. الذكاء الاصطناعي ينفّذ. والإنسان يتحقق.
٤. الموزّع — يوصل المحتوى للناس. هذا الدور لا يزال يعتمد بشكل كبير على الإنسان. وسائل التواصل، النشرات البريدية، التفاعل المجتمعي، إعادة النشر. وهنا تسقط معظم الفرق الصغيرة لأنها تستنفد طاقتها في الإنشاء ولا يبقى لديها شيء للترويج. حالياً، لا يزال الإنسان يقود هذه المرحلة، العديد من المواقع تبحث عن أليات السماح للروبوتات للنشر الآلي على مواقعها. حالياً معظم المواقع تسمح للإنسان بنشر محتوى الذكاء الاصطناعي على منصاتها ولكن هذا سيتحول تلقائيًا مع الوقت سيطبح الروبوتات (البوتتات) هي أدات النشر المعتمدة بدل الإنسان.
معضلة ثنائية اللغة (ولماذا الثقافة أهم من اللغة)
في الشيخ ميديا، ننشر كل شيء بالعربية وبالإنجليزية. الناس يفترضون أن هذا يعني ضِعف العمل. في بعض الجوانب نعم — لكن ليس للأسباب التي تتخيلها.
العمل الإضافي ليس في الترجمة. إنه في الثقافة.
العربية ليست مجرد لغة — إنها المركب التي تحمل الثقافة. التواصل بدون ثقافة جاف وبلا روح. عندما يكتب الذكاء الاصطناعي بالعربية، يتواصل بشكل مثالي لكنه يفتقد الثقافة، لغة الناس، نفَس الشارع. الناس يشعرون ببرودة النص. لا يتفاعلون. ويمضون إلى مواقع أخرى.
نحن، في الشيخ ميديا، عرب أولًا. نفكر بالعربية. نفكر أيضًا بالإنجليزية ونفكر بالذكاء الاصطناعي. لكن عندما نتحدث، نتحدث ثقافة الإمارات، وثقافة الخليج، وثقافة الشام، وثقافة مصر. اللغة تحمل كل ذلك.
المحرك الأساسي لمحتوى موجه لجمهور ثنائي اللغة ليس “اكتب مرة، ترجم مرة”. إنه “فكّر مرة، عبّر مرتين” — كل تعبير يتشكل بالثقافة التي يخاطبها النص مع الجمهور المراد.
أين يقع الذكاء الاصطناعي في هذه المعادلة… فعلًا
لأكون صريحاً: الذكاء الاصطناعي هنا في موقع دعم الإنسان. ليس العكس.
ما يجيده الذكاء الاصطناعي في سير عملنا:
- البحث والهيكلة — جمع المعلومات، اقتراح مخططات، تنظيم البيانات
- المسودات الأولى — وضع شيء على صفحة برنامج التحرير بسرعة ليعمل عليه المحرر البشري
- مهام التنفيذ — التنسيق، الجدولة، البيانات الوصفية، العمل الميكانيكي المتكرر
مواطن قصور الذكاء الإصطناعي:
- الفروقات الثقافية — خاصة بالعربية، حيث النبرة والسياق الثقافي يصنعان الفرق بين التواصل والنفور
- الحكم على المصداقية — الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إخبارك متى يكون مخرجاته خطأ. فقط الإنسان يكتشف الهلوسة “الواثقة”.
- التفكير الاستراتيجي — يمكنه “تحليل” الاتجاهات، لكن لا يمكنه أن “يقرر” ماذا يجب أن تقوله علامتك التجارية عنها
القاعدة بسيطة: الإنسان أولًا، والذكاء الاصطناعي لدعم الإنسان. دائمًا.
الإجابة الصريحة عن التسويق بالمحتوى
لو سألني مؤسس شركة “هل يستحق أن أهتم بالتسويق بالمحتوى أو التسويق بصناعة المحتوى؟” — إليك ما سأقوله:
ما فائدة جوهرة لا يعرف عنها أحد؟
يمكنك بناء أفضل منتج، وتوظيف أفضل فريق، وحل مشكلة حقيقية — وتفشل! ببساطة لأن لا أحد يعرف بوجودك. المحتوى، في هذه الايام، هو كيف يجدك الناس، ويفهمونك، ويقررون الوثوق بك. تجاهُل التسويق بالمحتوى لا يوفر موارد الشركة. إنه إخفاء لعملك.
الخطأ الذي يكرره الجميع
المحتوى رحلة مستمرة. الناس يبدؤون بمتابعة قصتك من نقاط مختلفة. المعجبون الأوفياء سيدرسون تاريخك ويترقبون مستقبلك. البعض سيقبلك في أي مرحلة أنت فيها. والبعض سيتوقف عند فصل معين من رحلتك ولن يتقبل تغيير قصتك أو تطورها.
الخطأ هو الاعتقاد بأن أي قطعة محتوى هي الكلمة الأخيرة. ليست كذلك أبدًا. عليك أن تستمر في كتابة القصص. عليك أن تستمر في صنع القصص. صناعة المحتوى ليس آلة تنتج أصولًا — إنه ممارسة تبني سردك بمرور الوقت.
الشيء الوحيد غير القابل للتفاوض
من بين كل شيء — جداول المحتوى، ودورات المراجعة، وتحسين محركات البحث، وأدوات التوزيع، وسير عمل الذكاء الاصطناعي — وجب وجود هذه المعادلة دائماً:
الإنسان أولًا. دائمًا.
كل نظام، كل أداة، كل اختصار ذكاء اصطناعي تضعه — يعمل فقط طالما هناك إنسان يراجع ويفحص ويتخذ القرار النهائي. اللحظة التي تثق فيها بالآلة لتعمل بدونك، هي اللحظة التي يتوقف فيها محتواك عن كونه “محتواك”.
ضع حواجز الحماية. راجع كل شيء. انشر بثقة لأن إنسان حقيقي — إنسان يفهم جمهورك، وثقافتك، وعملك — قال “نعم، هذا المحتوى جاهز للنشر. هذه القصة جاهزة لملامسة القلوب”.
هذا ما يحرك المحتوى. ليس أداة خيالية. ليس فريقًا من عشرين شخص. ثلاثة أشخاص (من الممكن أن يكونوا شخص واحد)، أربعة أدوار، والانضباط للبقاء “إنسان في عالم الذكاء الاصطناعي”.
حسّان الشيخ هو مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة الشيخ ميديا، وكالة إعلام رقمي ومختبرات رقمية تبني أدوات محتوى ذكية للمبدعين والشركات. تابع رحلتنا ←