عيد الأضحى لا يبدأ في صباح اليوم الأول من الاحتفال. يبدأ بيوم عرفة — اليوم السابق — حين يجتمع ملايين البشر في صعيد يمتد خارج مكة المكرمة في فعل شهادة جماعية يسبق وسائل الإعلام الحديثة بأربعة عشر قرناً. لا كاميرات، لا منصات، لا خوارزميات. فقط ناس، وتقليد مشترك، وفعل التواجد معاً.
ثم تبدأ الرسائل بالوصول. مجموعات الواتساب تضجّ بالنشاط. المكالمات العائلية تجمع أقارب على ثلاث قارات. الجيران يتبادلون الحلوى. الأطفال يتلقون الهدايا وحكايات من الأجداد الذين يبدؤون الجمل ذاتها التي بدؤوها العام الماضي: “أيام طفولتي كان العيد…”
هذا هو الإعلام العربي في أكثر صوره جوهريةً: جماعي، متعدد الأجيال، راسخ في التجربة المشتركة.
جذور الحكاية الشفهية في الرواية الإعلامية العربية
الرواية العربية لم تبدأ مع المطبعة. بدأت مع القصّاصين — رواة القصص المحترفين الذين كانوا يجمعون الحشود في الأسواق والمقاهي عبر العالم العربي لقرون. تقليد الحكاية التي تُروى لجمهور مجتمع متجذّر في نسيج الحياة الثقافية العربية.
“الأهرام”، التي تأسست عام ١٨٧٥، لم تُدخل الصحافة إلى العالم العربي فحسب. قدّمت وسيطاً جديداً لحمل ما كان موجوداً أصلاً: الوظيفة الاجتماعية للرواية المشتركة. أصبحت الصحيفة مجلساً جديداً — فضاءً تُجمع فيه قصص المجتمع وتُنظَّم وتتداول.
الإعلام العربي المذاع كرّر هذا النمط. الراديو أدخل الأخبار إلى البيت العائلي، محوّلاً وجبة المساء إلى لحظة استماع جماعي مشترك. التلفزيون العربي عبر الأقمار الصناعية — وكان إطلاق الجزيرة عام ١٩٩٦ اللحظة المحوّلة — أنشأ ميداناً عاماً عربياً افتراضياً شاهد فيه الملايين الصور ذاتها وتجادلوا في معناها.
الوسيط تغيّر. الوظيفة الجماعية بقيت.
ما يكشفه العيد عن الجمهور العربي
عيد الأضحى نافذة واضحة بشكل استثنائي على كيفية استهلاك الجمهور العربي الإعلامَ فعلاً، لأن الهيكل الاجتماعي يصبح مرئياً خلاله.
الجمهور العربي لم يكن في يوم من الأيام مستهلكاً فردياً خالصاً. هو في معظمه مستهلك اجتماعي. المحتوى يُشارَك قبل أن يُشاهَد. ردود الفعل تُقارَن قبل أن تتشكّل. مجموعة الواتساب هي المرشّح التحريري الذي يسبق الخوارزمية.
خلال العيد، يصبح هذا مستحيل التغافل. المقاطع التي تتداول ليست الأعلى في قيمة الإنتاج. إنها تلك التي تحمل إحساساً يسبق وجوده في الغرفة — الحنين، الاحتفال، الفخر الجماعي، الذاكرة المشتركة. رواية الإعلام العربي التي تنجح في العيد تنجح لأنها تفهم هذا البعد الاجتماعي.
هذا ليس خاصاً بالعيد. لكنه يبدو أوضح ما يكون خلاله.
الإعلام الرقمي وتشتّت القصة المشتركة
هنا يقع التوتر الذي يتعامل معه صنّاع الإعلام العربي في ٢٠٢٦: المنصات الرقمية التي أصبحت قنوات التوزيع المهيمنة للمحتوى العربي مبنية على التخصيص الفردي، لا التجربة الجماعية.
الخوارزمية تحسّن ما يبقيك تتصفح. لا تحسّن ما يجمع عائلة. تعرض محتوى مضبوطاً على إشارات تفاعل فردية، وهو مختلف عن محتوى يحمل معنى لمجموعة مجتمعة.
هذا ليس إشكالاً جديداً — الإعلام العربي كان يتعامل دائماً مع التوتر بين المصلحة العامة وشهية الجمهور. لكن محرك التخصيص في المنصات الرقمية يدفع نحو التشتت الفردي أكثر من أي تقنية سابقة.
تقليد الرواية في الإعلام العربي — نموذج المجلس، المشاهدة الجماعية، الرواية المشتركة — عليه أن يجد شكلاً جديداً في بيئة مصمّمة حول الفرد. هذا هو التحدي، وهو أيضاً الفرصة.
ما يعنيه هذا في طريقة بنائنا
في الشيخ ميديا، ننشر بالعربية والإنجليزية ليس أساساً لأسباب تحسين محركات البحث (وإن كان ذلك مهماً)، بل لأن الجمهور العربي مشتّت جغرافياً. العائلات التي تتجمع عبر المجموعات في العيد تعيش على ثلاث قارات. تجربة الشتات حقيقة في الحياة العربية الحديثة، والإعلام الذي يخدم هذا المجتمع يجب أن يعبر الجغرافيات.
الويب المفتوح مهم للسبب ذاته. المنصات المملوكة — المواقع الإلكترونية، تغذيات RSS، قوائم البريد الإلكتروني — تخلق فضاءً لا تستطيع الخوارزمية تدميره. منشور يشترك فيه القراء بقرار واعٍ له علاقة مختلفة بجمهوره عن منشور يتنافس على الانتباه في تغذية اجتماعية.
لسنا الأوائل من فكّر بهذه الطريقة. أفضل رواية الإعلام العربي كانت دائماً عن بناء علاقة مع جمهور، لا مجرد تراكم مشاهدات.
الحكاية هي الرابط
عيد الأضحى، في جوهره، قصة يحكيها مجتمع لنفسه كل عام. الرواية ذاتها، تتجدد في كل رواية. الإيماءات ذاتها، تتكرر عبر الأجيال. السؤال ذاته: ماذا يعني هذا لنا الآن؟
الرواية الإعلامية العربية تطرح السؤال ذاته. ليس ما الذي يحدث فحسب، بل ماذا يعني — لنا، كمجتمع، في هذه اللحظة.
المنصات وقنوات التوزيع ستستمر في التغيير. الوظيفة الجماعية للرواية لن تتغير. هذا هو التقليد الذي ورثه الإعلام العربي، والذي يستحق الاستمرار في حمله.
عيد مبارك.